حينما يصبح النظام حاجزآ أما الحياة : قراءة فى سيكولوجية OCPD
اجعلها قاعدةً ذهبيةً في حياتك: "لا تحكم على إنسان مهما بلغت درجة قربه أو بعده منك". افهم نمط تفكير الآخرين وجوهر أفعالهم بدلاً من أن تحكم على "الكتاب من عنوانه"، فربما تكون الخسارة حليفتك وأنت لا تدري أنك قد أضعت من يدك إنساناً رائعاً لمجرد أنك لم تملك مفتاح فهمه. أنماط الشخصية بحرٌ واسع؛ منها الاختلاف الواضح كالشمس، ومنها التشابه المعقد الذي يحتاج لبصيرة. لذا، أردتُ من خلال هذه السلسلة أن أصحبكم في رحلة وضوح، لنفهم أنماطاً نسيء فهمها غالباً.
عالم اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية هو عالم "الأرواح التي تعيش داخل صناديق من حديد"؛ صُنعت بدقةٍ متناهية، لكن صاحبها نسي أن يضع فيها نافذةً واحدةً للضوء. وبدون هذا النور، صار الانضباط لديه هو "الصلاة"، والمثالية هي "القِبلة"، والتردد القاتل هو "سيد الموقف".
"يجب أن أسعى للكمال المطلق، فكيف أقبل بأن أكون ناقصاً؟"
"المرونة والانفتاح يصيبانني بالتوتر، لابد من قواعد صارمة تمنع الفوضى من اقتحام عالمي."
"أنا متصالح مع ذاتي تماماً، ولا أفهم لماذا يرى الآخرون تصرفاتي مزعجة!"
"أنا كائن اجتماعي، لكن إنتاجي في عملي هو هويتي الحقيقية."
"التمسك بقيمي وأخلاقي خطٌ أحمر، فكيف أتنازل ولو قيد أنملة؟"
"أنا أكتنز الأشياء لأنها جزءٌ من تاريخي، حتى لو رآها غيري باليةً أو بلا نفع."
كل هذه السلوكيات نابعة من جوانب نفسية عميقة؛ فهو نمطٌ "يخاف" الخطأ أكثر مما يحب النظام. وبسبب قلقه الوجودي من الزلل، يحاول السيطرة على بيئته المحيطة بشكلٍ شمولي.
من منظور علم الأعصاب، يعيش صاحب هذا النمط صراعاً دائماً بين قشرة الدماغ الجبهية (المسؤولة عن التخطيط) وبين مراكز العاطفة، فيبدو للآخرين كـ "لوح من ثلج" بارد المشاعر، بينما هو في الحقيقة "قنبلة عاطفية" موقوتة بالحنين، لا تنفجر حباً إلا إذا شعرت بـ "أمانٍ مطلق" من الطرف الآخر.
هناك فئة من البشر – نتيجة غياب الوعي بالأنماط – يخلطون بين صاحب الـ OCPD وبين "النرجسي". والحقيقة أن الفرق شاسع؛ فالنرجسي يعشق أذية غيره ليحمي "إيغو" متضخم، أما صاحب شخصية الوسواس القهري فهو يؤذي "نفسه" أولاً. هو شخص لا يعرف "المنطقة الرمادية"؛ فالحياة عنده إما أبيض ناصع أو أسود حالك.
يجب أن نفرق هنا بين "الوسواس القهري" (OCD) كأفعال قسرية يعلم صاحبها أنها مرهقة، وبين "اضطراب الشخصية الوسواسية" (OCPDR)؛ حيث يرى صاحب النمط الأخير أن صرامته هي (عين العقل)، وأن العالم من حوله هو الذي يفتقر للنظام. هو لا يرى نفسه مريضاً، بل يرى نفسه "منضبطاً" في زمنٍ ضاعت فيه المعايير.
هل تعلم يا عزيزي القارئ أن الدواء أبسط من كل هذا التعقيد؟ يكمن الحل في "العلاج السلوكي المعرفي" (CBT) الذي نفتقده كثيراً في مجتمعاتنا، وفي أن يمنح الإنسان نفسه حق "الاسترخاء" قليلاً. أن يستمع لقلبه وصوت مشاعره، لا أن يكون في حربٍ معها في سبيل كمالٍ زائف.

اول مرة اسمع عن هذا النمط ، لكن معلومات رائعة و مفيدة
ردحذف