المشاركات

بين طهارة الروح ودنس الجسد - يوحنا المعمدان و سالومي - : قراءة في أوبرا "سالومي"

صورة
 اقتنيتُ هذا الكتاب من متجر مكتبة الإسكندرية، وفي مخيلتي ذكريات قديمة أبت أن تغادرني؛ إذ تذكرتُ أنني قرأتُه لأول مرة في بداية عقدي الثاني، أيام المدرسة. واليوم، أشرع في قراءته مجدداً وأنا في بداية عقدي الرابع، مسترجعةً تلك الذكريات ومحاولةً استكشاف أثره القديم في نفسي بوعي جديد، وكانت المفاجأة أن العثور على تسجيل مرئي نادر للمسرحية يعود لعام 1996 على منصة "يوتيوب" قد منح التجربة أبعاداً بصرية وحسية ضاعفت من عمق القراءة. لكن ما استوقفني بل جذبني بشدة هذه المرة، هو قصة "أوبرا سالومي". مَن هي سالومي؟! ولماذا هذا الصدام الحتمي بين الهوس الشهواني المطلق والزهد الروحي الصارم؟! كانت هذه هي مقابلتي الأولى مع هذه التجربة الفريدة التي صاغها الأديب الإيرلندي الشهير "أوسكار وايلد"، حيث قدم لنا الأستاذ "مختار السويفي" النص الأوبرالي (الليبريتو - Libretto)، وهو الصياغة الأدبية الشعرية للمسرحيات الأوبرالية. هذا النص الذي لحّنه الموسيقار "ريتشارد شتراوس"، وكتبت صياغته الشعرية باللغة الألمانية الشاعرة "هيدفيج لاخمان" معتمدةً على مسرحية وايلد ا...

كتاب "اسباب للبقاء حيا" .. رسالة الى القارئ الذي يخشي الفقد | مقال الجزء الثاني

صورة
  اعلم يا عزيزي القارئ أن الحديث والكتابة عن "الاكتئاب" شيء متعب ومرهق جداً حد السماء، ولكن ليس كالإحساس به يا عزيزي. لم أكن أعلم أن هذا الكتاب يتحدث عنه، ولكني أريد أن أتشجع وأواجه الموقف والخوف، بل وأكون أقوى منه وأكتب عنه أيضاً. فالإكتئاب مرض، ولا بد من العلاج منه. تخيل معي شخصاً مؤمناً بالإله وبكل شيء حوله، ولكنه يخشى الفقد، بل الموت بالتحديد؛ ورغم أنه حاول أن يلاقيه ويذهب إليه، وذلك بسبب وفاة شخص عزيز عليه لم يكن مستعداً للحظة فراقه، ولم يكن بجانبه أيضاً، بل صُدم برحيله بمعنى الكلمة.. حتى إنه شعر بروح هذا الشخص العزيز بعد وفاته تأتي إليه في واقعه لكي تلقي عليه التحية قبل صعودها إلى السماء. ليكن هذا المؤمن رافضاً لفكرة رحيله، ومستسلماً لاكتئابه لثماني سنوات، وربما أكثر.. لا يدرك الوقت بالتحديد لأنه لم يكن صديقاً للوقت في هذه الحياة؛ مما أدى باكتئابه هذا للدخول في دوامات من المشاكل والمعاكسات هو في غنى عنها، ولم تكن تشبهه البتة. حتى أحلامه لم يكن يعرف كيف يتمسك بها، لأن الآخرين يدركون أنه مكتئب، ولأنهم على يقين بأنه سوف ينجح، قرروا في كل مرة مساعدته على زيادة اكتئابه حتى ا...

كيف تحول الفارس الشجاع إلى وحش؟ قراءة نقدية لمسرحية مكبث

صورة
  في بداية الكتاب، تلك النسخة النادرة التي عثرتُ عليها في مكتبتي المفضلة بمكانٍ ما في الإسكندرية، وجدتُ دراسةً أدبية نقدية لمسرحية "مكبث"؛ تلك المسرحية التي حاولتُ جاهدةً أن أجد الوقت المناسب لأتمكن من قراءتها. تأتي هذه الدراسة بقلم الأستاذ والشاعر محمد عبد الغني حسن، والذي استهلّ دراسته الأدبية النقدية بالاستشهاد بآراء الشاعر الاسكتلندي "كامبل"، وأستاذ الأدب الإنجليزي والناقد الفرنسي "بول دوتان"، ليكون ذلك مدخلاً قوياً يسهّل استيعاب المعلومات وتتبع خط سير المسرحية. إنها دراسة وافية وشاملة بحق، تضمّنت: (آراء في المسرحية، ومجمل المسرحية، وتاريخ تأليفها وطباعتها، ومصادر مكبث ومنابعها، وشخصيات المسرحية، بالإضافة إلى أشخاص الرواية التي تجري أحداثها بين اسكتلندا وإنجلترا). أرى في هذه الدراسة شرحاً مفصلاً وتحليلاً مهماً وعميقاً لشخصية كل بطل من أبطال المسرحية، وهو تحليلٌ لا غنى عنه لفهم العمل. لا أعلم إن كانت هذه الدراسة متوفرة في الإصدارات الجديدة أم لا، لكنني محظوظة جداً باقتناء هذه النسخة النادرة من دار المعارف بمصر في طبعتها السادسة. وعلى ذكر التاريخ، فإن مس...

هوامش على صفحات (أسباب للبقاء حياً) - الجزء الأول

صورة
أحد الأسباب التي تجلب لنا الاكتئاب، هو أننا نعيش على أمل وعشم كبيرين منتظرين من الطرف الآخر أن يفهمنا بطريقتنا الخاصة، ونسينا تماماً أنه مختلف عنا، وأن هذا الاختلاف طبيعي جداً. وهنا يتدخل "الوعي"؛ فإن لم نكن على وعيٍ كافٍ باختلافنا، واختلاف طريقة تفكيرنا، وحتى تصرفاتنا، ونتقبل هذا الأمر، فستعاني أنت وحدك إن لم تدرك هذه الحقيقة وتستوعبها. وأحياناً يأتي الاكتئاب بلا سبب واضح أو صريح؛ فحين تسأل شخصاً اتخذ القرار بإنهاء حياته، سيقول لك: "إن الألم فوق تحمّلي"، لكن هل يعرف من أين يأتي هذا الألم أو ما سببه؟ الإجابة غالباً: لا.. لأنه لا يدرك كنه نفسه في تلك اللحظة، كل ما شعر به هو ألمٌ يفوق قدرة جسده وعقله وطاقته على الحركة، ولم يعرف كيف يخفض حدته، فاختار أسرع مسكّنٍ للألم، ألا وهو "قتل نفسه". إن أشكال الاكتئاب كثيرة؛ منها المضحك، والباكي، والمرهق، وغيرها من الأعراض والصور الحزينة. كنت أحسب في الماضي أن الاكتئاب في مجتمعنا يُعامل كشيء سخيف أو كأنه مجرد "نزلة برد"، وأن فكرة الاعتراف بوجود خلل ما في كيمياء المخ أو المشاعر ستجلب لك العار حتماً. ولكن، لأن هذ...

عندما جعل المجتمع الاكتئاب لعنة على كل فيلسوف ومميز في هذه الحياة: قراءة في تشاؤم شوبنهاور

صورة
ثماني عشرة قصة قصيرة، أو تجليات مختلفة للألم والاكتئاب.. هل تعلم -عزيزي القارئ- أن للاكتئاب والألم وجوهاً لا حصر لها؟ تختلف باختلاف درجاتها، وعمقها، أو حتى سطحيتها..   هنا، أراد الكاتب حسن أشرف أن يمنحنا جرعات مكثفة -وإن بدت خفيفة- عن الاكتئاب، مبرزاً كيف يرى المجتمعُ الشخصَ المكتئب أو المتألم الصامت؛ إذ يتهمه دوماً بتهويل مشاعره الجياشة.   في حين أنه لو التفت هذا المجتمع، وأدرك حجم الصراع النفسي الذي يعتمل داخل هذا المتألم في صمته، لعلم أنه يستحق أن ينال تميزه واستحقاقه، وأن يدرك أن هناك آخرين يشبهونه، وأن عليه فقط التحرك ولو خطوة واحدة ليلتقي بهم. لكن المجتمع مكبل بلعنة "العادات والتقاليد" التي يفرضها بقواعد صارمة، حتى وإن كانت لا تناسبك أو لا تتوافق مع ذاتك.   تحمل معظم هذه القصص إسقاطات نفسية عميقة، صيغت بعناية لتجعل القارئ يتخيل مدى تأمل المكتئب حين يُترك وحيداً في عزلته، وإلى أي مدى قد يصل به الضغط النفسي وتحقير الذات.   أما بالنسبة لعنوان الكتاب، فهو يحمل اسم إحدى قصص المجموعة.   ويعود هذا الاسم بالطبع إلى الفيلسوف الألماني (آرثر شوبنهاور).   وسأبتعد...

تأملات الإمبراطور: 5 قواعد من ماركوس أوريليوس لصمود النفس | مقال مترجم من اللغة الانجليزية

صورة
  (الصورة من متحف اليوناني الروماني بالأسكندرية) حكم ماركوس أوريليوس الإمبراطورية الرومانية في أوج اضطرابها؛ فقاد الجيوش بجدارة، وأدار شؤون الدولة وسط أمواج الحروب والأوبئة والفتن السياسية. وفي غمرة تلك الضغوط الهائلة، كان يختلس لحظات قصيرة ليتأمل في ذاته، ويدوّن لنفسه ملاحظات حول كيفية تنمية الانضباط، والوضوح، والقوة الأخلاقية. لم يكن عمله الناتج، المعروف اليوم بـ "التأملات"، مُعدّاً للنشر أبداً؛ بل كان سجلاً خاصاً في يومياته، ومحاولة انضباطية من "ملك فيلسوف" ليعيش بعقلٍ متزن ونزاهةٍ تامة في مواجهة مسؤوليات جسيمة. إن الحكمة التي تنبثق من كتاباته لا ترسم فقط صورة لإمبراطور حكيم، بل تقدم دليلاً عملياً للعيش برزانة عصرية مذهلة. إليكِ خمس مقولات لخصت فلسفته في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وسط عالم مضطرب: 1. لا تتحدث.. بل افعل! "لا تضيع مزيداً من الوقت في الجدل حول ما يجب أن يكون عليه الرجل الصالح.. كن واحداً!" رغم أنه كان إمبراطوراً يحاط بنخبة الفلاسفة والعلماء، إلا أنه لم يخلط أبداً بين الفضيلة وبين "الحديث عنها". كان يؤمن بأن الصلاح ليس "نظري...

سحر "المخفي" على الورق: قراءة في الواقعية السحرية لرواية "رمانة الجوهندا"

صورة
أود أن أُعلمكِ بأن في هذا العالم جزءًا خفيًا يصعب على العقل تصديقه، ولكننا نعشق قراءته مُسطرًا على الورق؛ وهو ما يُعرف بأدب الفانتازيا. هذا الفضاء الرحب الذي يمنح الخيال أجنحة ليتجاوز حدود المألوف، يعود ليتجلى بنكهة خاصة جداً في الأدب العربي المعاصر، حيث يعيد الكُتّاب صياغة الأساطير المحلية برؤى بصرية وفلسفية مدهشة. وفي رواية (رمانة الجوهندا)، الصادرة في 190 صفحة عن دار الرونق للنشر، يمنحنا الكاتب رامي سيف النصر نظرةً فانتازيةً بطابعٍ مصريٍ ديني، صِيغت بأسلوب السهل الممتنع. فمن خلال قرية 'الجوهندا' الأسطورية، لا يقدم لنا الكاتب مجرد حكاية من حكايا الجنوب المعتادة، بل يغوص في أعماق الوجدان الشعبي؛ حيث تتداخل الخرافة بالدين، ويصبح 'المخفي' محركاً لمصائر البشر. القرية هنا ليست مجرد جغرافيا، بل هي بطل درامي يتنفس الطقوس القديمة، وتتحول فيه "الرمانة" من مجرد ثمرة إلى رمز مثقل بالدلالات والأسئلة الأزلية حول السلطة، الغيب، والمصير الإنساني. وقد نجح الكاتب في تمرير هذا العالم الميتافيزيقي مستخدماً أسلوباً نثرياً مكثفاً يميل إلى الرمزية والشاعرية، وزادها جمالاً دقةُ ال...