كيف تحول الفارس الشجاع إلى وحش؟ قراءة نقدية لمسرحية مكبث
في بداية الكتاب، تلك النسخة النادرة التي عثرتُ عليها في مكتبتي المفضلة بمكانٍ ما في الإسكندرية، وجدتُ دراسةً أدبية نقدية لمسرحية "مكبث"؛ تلك المسرحية التي حاولتُ جاهدةً أن أجد الوقت المناسب لأتمكن من قراءتها.
تأتي هذه الدراسة بقلم الأستاذ والشاعر محمد عبد الغني حسن، والذي استهلّ دراسته الأدبية النقدية بالاستشهاد بآراء الشاعر الاسكتلندي "كامبل"، وأستاذ الأدب الإنجليزي والناقد الفرنسي "بول دوتان"، ليكون ذلك مدخلاً قوياً يسهّل استيعاب المعلومات وتتبع خط سير المسرحية. إنها دراسة وافية وشاملة بحق، تضمّنت: (آراء في المسرحية، ومجمل المسرحية، وتاريخ تأليفها وطباعتها، ومصادر مكبث ومنابعها، وشخصيات المسرحية، بالإضافة إلى أشخاص الرواية التي تجري أحداثها بين اسكتلندا وإنجلترا).
أرى في هذه الدراسة شرحاً مفصلاً وتحليلاً مهماً وعميقاً لشخصية كل بطل من أبطال المسرحية، وهو تحليلٌ لا غنى عنه لفهم العمل. لا أعلم إن كانت هذه الدراسة متوفرة في الإصدارات الجديدة أم لا، لكنني محظوظة جداً باقتناء هذه النسخة النادرة من دار المعارف بمصر في طبعتها السادسة.
وعلى ذكر التاريخ، فإن مسرحية "مكبث" طُبعت أول مرة في العالم سنة 1623م، أي بعد وفاة شكسبير بسبع سنوات (حيث توفي عام 1616م). ولم تنشر المسرحية منفردة حينها مثل تلك التي تلمسها أناملي الآن، وإنما نُشرت مع مسرحيتين أخريين من روائع شكسبير هما: "يوليوس قيصر" و"هملت".
وفي ختام دراسته وقبل البدء في نص المسرحية، أشاد الشاعر محمد عبد الغني بإعجابه الشديد بلغة شكسبير وعبقريته الفذة في سائر أعماله، وليس في هذه المسرحية فحسب. فقد اشتهر شكسبير بذكاء لغوي وفكري حاد جعله مميزاً في عصره، وتميز بقدرته العجيبة على سبر أغوار النفس البشرية، وإبراز أهم صفاتها؛ بدءاً من تولد المشكلة، مروراً بكيفية التعايش معها، وصولاً إلى الاستسلام لها دون إيجاد حل.
إن شكسبير يعشق التركيز على الطابع البشري وتحولاته من الخير إلى الشر والعكس صحيح، وكيف يمكن لكلمة واهمة أن تجعل الإنسان ضعيفاً مستسلماً، أضعف من ريشة تذروها الرياح وتجاريها. وما يدفعنا نحن في هذا القرن الحادي والعشرين إلى قراءته، هو محاولتنا لإقناع أنفسنا بأن هذه النفوس البشرية واحدة، مهما اختلفت الطباع والتصرفات، ومهما تبدل الزمان والمكان. فنحن اليوم ما زلنا نرى حَوْلنا مئات الوجوه التي يلتهمها الطموح الأعمى، وتتحرك بوعي أو بدون وعي نحو حتفها بسبب الجشع، تماماً كما حدث في اسكتلندا قبل قرون.
هنا نلتقي بـ "مكبث"؛ تلك الشخصية المريضة التي اجتمع فيها الطموح والمطامع، وسهولة الانقياد، وسرعة التأثر بالغير، وتصديق الأوهام والاعتقاد بالسحر. كل هذه العوامل كانت كفيلة بأن تجعل نهايته في قمة الوحشية التي يمكن أن يصل إليها إنسان. ورغم أن مكبث كان فارساً شجاعاً ومقداماً ينتصر في الحروب، إلا أن هذه الصفات المظلمة لم تظهر عليه إلا بسبب الساحرات الثلاث اللواتي أشعلن ناراً خامدة في صدره. ورغم أنه كان بمقدور مكبث ألا يصدقهن، وأن يمضي في طريقه برفقة صديقه وزميله في الجيش "بانكو"، إلا أن الشعرة الفاصلة بداخله كانت هوس الحصول على كرسي الملك بأي ثمن.
ولم يكن مكبث وحده في هذا المنحدر، بل كانت زوجته "ليدي مكبث" هي الوقود الذي يحرق كل تردد بداخله. لقد استوقفتني هذه المرأة طويلاً؛ كيف تحولت من عقل مدبر قاصٍ يحث على القتل والدم بدم بارد، إلى روح مهشمة يقتلها الندم وعقدة الذنب في النهاية؟ إن مشهد محاولتها غسل يديها من بقع الدم الوهمية وهي غائبة عن الوعي يختصر عبقرية شكسبير في إظهار الضعف الإنساني؛ فحتى أعتى النفوس شرًا قد تنهار تحت وطأة ضميرها المستيقظ متأخراً. لقد ساعدته بكل الطرق على نيل مراده، لتشاركه النهاية المأساوية ذاتها.
وقبل كل شيء، أود أن أعبر عن انبهاري الشديد بترجمة الشاعر الكبير "خليل مطران". لقد شعرتُ أنه بذل جهداً عبقرياً ونجح تماماً في نقل مستوى الذكاء اللغوي لشكسبير، فبرز ذكاء النص الأصلي متناغماً مع ذكاء وفصاحة لغة مطران في الترجمة.

تعليقات
إرسال تعليق