بين طهارة الروح ودنس الجسد - يوحنا المعمدان و سالومي - : قراءة في أوبرا "سالومي"
اقتنيتُ هذا الكتاب من متجر مكتبة الإسكندرية، وفي مخيلتي ذكريات قديمة أبت أن تغادرني؛ إذ تذكرتُ أنني قرأتُه لأول مرة في بداية عقدي الثاني، أيام المدرسة. واليوم، أشرع في قراءته مجدداً وأنا في بداية عقدي الرابع، مسترجعةً تلك الذكريات ومحاولةً استكشاف أثره القديم في نفسي بوعي جديد، وكانت المفاجأة أن العثور على تسجيل مرئي نادر للمسرحية يعود لعام 1996 على منصة "يوتيوب" قد منح التجربة أبعاداً بصرية وحسية ضاعفت من عمق القراءة.
لكن ما استوقفني بل جذبني بشدة هذه المرة، هو قصة "أوبرا سالومي". مَن هي سالومي؟! ولماذا هذا الصدام الحتمي بين الهوس الشهواني المطلق والزهد الروحي الصارم؟!
كانت هذه هي مقابلتي الأولى مع هذه التجربة الفريدة التي صاغها الأديب الإيرلندي الشهير "أوسكار وايلد"، حيث قدم لنا الأستاذ "مختار السويفي" النص الأوبرالي (الليبريتو - Libretto)، وهو الصياغة الأدبية الشعرية للمسرحيات الأوبرالية. هذا النص الذي لحّنه الموسيقار "ريتشارد شتراوس"، وكتبت صياغته الشعرية باللغة الألمانية الشاعرة "هيدفيج لاخمان" معتمدةً على مسرحية وايلد الأصلية (التي كُتبت بالفرنسية أولاً قبل أن تُترجم للإنجليزية ولغات أخرى)، وفي هذا الكتاب تُرجم النص إلى العربية عن اللغة الإنجليزية. هنا تبرز عبقرية الترجمة؛ فهي ليست مجرد نقل كلمات، بل هي محاولة لترجمة "التنافر الموسيقي" وتوتر النص الأصلي إلى لغتنا العربية.
فمن هي سالومي؟ هي ابنة هيرودياس، أميرة يهودية فائقة الجمال. وتحاكي هذه المسرحية هوس شهوتها عندما شاهدت "يوحنا المعمدان" (وهو النبي يحيى بن زكريا عليه السلام). تبدأ سالومي في التغزل بجسده، بشعره، وبكل تفاصيله لتحصل عليه، وعندما يرفضها ويلعنها، يرفض كبرياؤها هذا الرفض؛ لينقلب حبها اللحظي في ثانية واحدة إلى رغبة عارمة في الامتلاك.. حتى الموت.
كل هذه الأجواء مستوحاة من أحداث تاريخية ودينية في المملكة اليهودية؛ حيث كان يوحنا المعمدان مبشراً بقدوم السيد المسيح عليه السلام. وفي الموروث الإسلامي، ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من هوانِ الدنيا على اللهِ أنَّ يحيى بنَ زكريا قتلتْه امرأةٌ".
في هذه المسرحية، تبرز "رقصة الحجاب السبعة" كذروة للغواية والمقايضة، وهي من أشهر القطع الأوركسترالية التي تتنقل موسيقاها بين الشرقية الساحرة والتوتر الدرامي. ترقص سالومي متجردة من حجابها أمام الملك (زوج أمها) لتقايضه على رأس يوحنا؛ انتقاماً لنفسها بعد أن رفضها ولعنها. ولطالما مثّل هذا المشهد تحدياً رهيباً في تاريخ الأوبرا؛ فالدور يتطلب مغنية "سوبرانو" تمتلك صوتاً درامياً ضخماً يعلو فوق صخب أوركسترا شتراوس، وفي الوقت نفسه يتطلب رشاقة وخفة لأداء الرقصة، لدرجة أن بعض العروض كانت تستعين براقصة بديلة تؤدي الرقصة في الظل بينما تقف المغنية جانباً!
وعندما يقع المحظور، نصل إلى مشهد النهاية الذي يجسد "النكروفيليا" (عشق الموت)، وهو من أصعب المشاهد وأكثرها جنوناً في تاريخ الفن؛ حين تمسك سالومي برأس يوحنا المقطوع على طبق من فضة، وتتداخل مشاعرها بين الحب والاشمئزاز، والانتصار والجنون، لتقبل الثغر الميت معلنةً امتلاكها الكامل للجثة بعد أن عجزت عن امتلاك الروح.
زلزال رقابي وصدمة تاريخية: لم يمر عمل شتراوس ووايلد مرور الكرام، بل أحدث زلزالاً رقابياً عند عرضه في بدايات القرن العشرين. فمزيج الرقص العاري، وقطع رأس نبي، ومشهد عشق الجثة في النهاية، دفع دور أوبرا عالمية (مثل المتروبوليتان في نيويورك) إلى منع عرضها بعد ليلة واحدة فقط بضغط من المؤسسات الدينية والأثرياء المحافظين، وهو ما يثبت أن الفن استطاع هنا تعرية المسكوت عنه وصدم المجتمع بمرآة شهواته.
لكن خطيئة سالومي لا تمر بسلام؛ إذ ينتهي بها المطاف مقتولة بأمر من الملك هيرودوس، الذي كان يشتهيها بجنون رغم أنه زوج أمها (التي كانت زوجة أخيه السابقة، وهو أمر محرم في الشريعة اليهودية). تموت سالومي بجانب الرأس المقطوع، لتؤكد الأوبرا في النهاية أنها ليست مجرد حكاية عن امرأة قاتلة، وإنما هي دراسة نفسية عميقة وصارخة للتناقضات البشرية بين طهارة الروح ودنس الجسد.
و هذه مسرحية الاوبرا سالومي 1996 - النسخة الوحيدة التى عثرت عليها كاملة - و هي مترجمة باللغة الانجليزية
اختيار و كتابة المقال " ولاء الكسفريتي "

تعليقات
إرسال تعليق